لكل منا ذكرى طفولية محفورة في ذاكرته، ترتبط بفكرة غريبة أو تفسير بريء لظواهر الكون من حولنا. تبدأ قصتي من جلسة عائلية دافئة، عندما أخبرتنا جدتي ذات يوم بأن النوم هو "الموتة الصغرى"، وأن أرواحنا حين ننام تصعد إلى السماء؛ لأنها أرواح جميلة وغالية، فيرفعها الله سبحانه وتعالى ويحفظها عنده، حتى إذا استيقظنا عادت إلى أجسادنا من جديد.
وقعت هذه الكلمات في قلوبنا نحن الصغار أنا وأخي وابن عمي ، موقع الحقائق المطلقة التي لا تقبل الجدال ولأن خيال الأطفال لا يعرف الحدود، فقد أخذنا هذا التفسير الروحاني إلى منحنى مضحك ومبتكر تماماً في جلساتنا اليومية بباحة المنزل (الحوش).
كنا نجلس في المساء، نرفع رؤوسنا إلى السماء الممتلئة بالنجوم المتلألئة، وهنا لمعت في رأس ابن عمي نظرية عبقرية! قال بثقة: "إن هذه النجوم المتناثرة في السماء ليست سوى أرواح البشر التي ارتفعت لتنام!". ومنذ تلك اللحظة، تحولت السماء بالنسبة لنا إلى شاشة عرض حية لأقاربنا وجيراننا.
كنا نتأمل النجوم بجدية بالغة ونقول بحماس: "انظروا إلى تلك النجمة الساطعة هناك.. إنها بالتأكيد روح أمي!"،
و"انظروا إلى تلك النجمة البعيدة.. لا بد أنها روح جدتي!".
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل وضعنا قانوناً فلكياً خاصاً بنا
"كلما كان حجم النجمة أكبر وأكثر لمعاناً، كلما دل ذلك على أن صاحب الروح أكبر سنّاً ومقاماً!".
وهكذا، قضينا ليالي طفولتنا نعد النجوم ونوزعها على أفراد العائلة، نراقب الأرواح الساهرة في السماء بكل براءة، حتى يدركنا التعب والملل، فنقرر دخول البيت للنوم، وتنضم أرواحنا الصغيرة إلى تلك النجوم التي طالما أرهقنا أنفسنا في عدّها.
"كَبِرنا.. وانطفأت في عيوننا تلك التفسيرات البسيطة بعد أن علمنا الحقائق العلمية للنجوم. لكنني اليوم، كلما اشتقت لراحلٍ غيبهُ الموت، أو أخذتني ضغوط الحياة بعيدًا عن دفء العائلة، أرفع رأسي إلى السماء تلقائيًا؛ أبحث عن النجمة الأكثر لمعانًا، وأبتسم قائلًا في نفسي: 'ما زلتِ هناك يا جدتي تحرسيننا'. لقد علمتنا الطفولة مواساةً بريئة، وهي أن أحبابنا لا يغيبون تمامًا، بل يتحولون إلى قناديل تضيء عتمة أيامنا كلما اشتدت الظلمة.
ومع أن السنين مرت، ورَحلت كلمات الجدة، إلا أن أثرها بقي محفورًا في أرواحنا. علمتني تلك التجربة أن الحكايا العفوية التي نغرسها في قلوب الصغار تصنع دنيتهم، وتشكل أمانهم النفسي لسنوات طويلة؛ لقد حولت جدتي بحديثها الدافئ خوفنا من الليل والنوم إلى رحلة شوق للقاء الأحبة في السماء.



الله ارحمنا برحمك اذا صعدت اروحنا اليك يا الله🤍
🥹